عبد الله الأنصاري الهروي

229

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

وذلك لأنّ إرادته سقطت ، والرّضا نوع من الإرادة ، فإذا ارتفع وجود الإرادة الّتي هي الأصل ، ارتفع معها الرّضا الذي هو فرعها ، فهذا معنى قوله : فلا يرى لنفسه رضا ، أي لا يجد لنفسه رضا ولا سخطا ، وإذا لم تبق له إرادة لم يكن له شيء يبعثه على ترك التحكّم ، ويعني بالتحكّم ترجيح شيء عن شيء ، وإيثار حال دون حال . قوله : وحسم الاختيار ، الحسم هو القطع ، أي : وقطع الاختيار بالكلّية . قوله : وإسقاط التّمييز ولو دخل النّار ، أي : لا يرى شيئا بالنسبة إليه أميز من شيء ، ولو دخل النّار ، فلا يراها أميز عنده من الجنّة لاستغنائه بإرادة الحقّ تعالى عن إرادته ، وتصحيح مقام الرّضا ، وهذا القدر يدلّ على صحّة العبوديّة ، وهو لا يحصل إلّا لأهل مقام المحبّة الصّادقة ، وقد ذقت هذا المقام والحمد للَّه تعالى ، وتحقّقت صحّته لي في ثلاثة مواطن : أوّلها : أنّي أشرفت على القتل بسيوف الفرنج خذلهم اللّه تعالى ، فنظرت إلى قلبي ، فلم أجد عنده تفاوتا بين الحياة والموت ، / رضا بحكم اللّه تعالى لغلبة سلطان المحبّة . الموطن الثّاني : أنّني أشرفت على الغرق ، فنظرت إلى قلبي فلم أر تفاوتا بين الحياة والموت ، رضا بحكم اللّه تعالى . الموطن الثالث : قيل لي : احذر من طريق الصوفيّة إنّ فيها أمورا تزلّ فيها القدم ، فنظرت إلى قلبي ، وصحّحت عقد الرّضا مع ربّي ، وقلت : أأعرض بعد الإقبال ، وأخاف مع صحّة محبّتي للَّه تعالى من الضّلال ؟ ففاضت عيناي بالدّموع ، وسرت في وجودي نشوة الخشوع